| | | | |
شؤون فلسطينية
شؤون عربية
شؤون عالمية
شؤون صهيونية
ثقافة
وثائق
دراسات وأبحاث
صحافة عربية
صحافة أجنبية
كاريكاتير
روابط
 
آخر الأخبار
Monday, September 6, 2010
  شؤون فلسطينية
قافلة الحرية والجريمة الصهيونية
[2010-06-08]
















جدل الصراع والترويض على حدود المصالح والدور في إقليم الشرق الأوسط

• بقلم: أبو خالد العملة

بعيداً عن القراءة العاطفية والسطحية ،علينا بداية أن نضع الحدث في سياقه الموضوعي وفي زمنه وموقعه وظروفه، حتى نصل إلى استخلاصات سياسية قد يترتب عليها صياغة واقع إقليمي جديد حيث تبرز مجموعة من التساؤلات حول الدور العربي في الإقليم، ومستقبل فلسطين ومستقبل الكيان الصهيوني.

فالبعودة إلى المجزرة "الحدث" التي اقترفها الكيان الصهيوني بحق المتضامنين مع شعبنا الفلسطيني على متن قافلة الحرية، والتي أسالت دماءً طاهرة تركية وأممية من كل قارات العالم والتي ستبقى مشاعل حرية لكل المناضلين من أجل الحق والعدل ومن اجل تحرير فلسطين، مستهدفاً منع فك الحصار عن قطاع غزة بالشكل الذي أرادته تركيا، لأنه يعتبر هذا الأمر بالنسبة له قضية "حياة أو موت"، وبداية الخنق الاستراتيجي، وانه لن يسمح بذلك بدون اتفاق دولي.
قام الكيان الصهيوني بهذه المجزرة الوحشية لتوجيه ضربة معنوية لتركيا في محاولة لقطع الطريق على تنامي دورها في المنطقة على حساب الدور والوظيفة للكيان الصهيوني في الشرق الأوسط .
لم يتوقع قادة الكيان رد الفعل التركي الحازم و الشجاع على هذه الجريمة وأهدافها، ولم يتوقع كذلك رد الفعل العربي والإسلامي والعالمي على هذه الجريمة التي ساهمت في كشف طبيعة الحركة الصهيونية وكيانها العنصري المجرم. فقد ساهمت هذه المجزرة الصهيونية في كشف هذه الطبيعة العنصرية لهذا الكيان الذي يمارس إرهاب "الدولة" وبأنه كيان مارق وفوق القانون الدولي ومعاد للإنسانية، وبأنه كيان مجرم محتل لوطن الشعب الفلسطيني يسعى لتهويد الوطن، كما يسعى لإبادة الشعب، واستكمال إجلائه، وشل إرادته السياسية.
وإذا كان المتضامنون، من مكونات الحركة الشعبية الأممية العالمية ومن كل القارات يتحركون بدافع ومعيار الضمير الإنساني الطبيعي، معنيين بتظهير هذه الصورة التي لم يتوانى الغرب سابقاً عن طمسها وإخفائها والتستر عليها، فإن دوافع الأطراف الدولية لا تخضع بالقطع لهذا الدافع والمعيار.
الحكومات الغربية التي تواطأت مع جرائم الكيان الصهيوني منذ لحظه إنشائه على حساب الشعب الفلسطيني وتم تغذيته من دم هذا الشعب ومن ثروات الأمة العربية، هي ذاتها أو بعضها الذي يتباكى اليوم على الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة.
لا بأس إذا كان هذا العالم "الغربي" قد أصيب بصحوة ضمير مفاجئة إزاء عذابات الشعب الفلسطيني والظلم التاريخي الذي ألم به، والذي أغفله هذا العالم بدافع مصالحه. لكن الواقع ومعادلات السياسة تقول غير ذلك، فالعالم اليوم الذي تجاوز موضوعياً نتائج الحرب العالمية الثانية ، ومعادلة الثنائية القطبية، أصبح معنياً بالتخلص من الكثير من منتجاتها. فمعادلات الراهن السياسي لا تنسجم ومعادلات ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث الدول المنتصرة في تلك الحرب قد جاوزت المنفعة القصوى لهذا النصر، بل أن مزيداً من محاولات الاستثمار لذلك النصر بات يضع العالم أجمع على شفير فوضى عالمية غير ممكنة الضبط ، وان معادلات القوة تغيرت بفعل الكثافة الديمغرافية في الشرق، وكثافة انتقال الثروة نحوه، وتنامي قدراته الردعية الإستراتيجية، فإنه لا يمكن إبقائه تحت معادلة النهب غير القابل للتوقف، ويضاف إلى ذلك هذا الدور الفاعل للحركة الشعبية العالمية المناهضة للامبريالية والصهيونية والرأسمالية المتوحشة والتي عبرت عنها قافلة الحرية لكسر الحصار عن شعبنا في قطاع غزة وللدور التركي المتميز في ذلك.
من المفيد أن نشير هنا بأن الهزيمة التركية في الحرب العالمية الأولى هي التي فتحت المجال لإنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين، فمن الطبيعي إذن أن نرى تركيا، العائدة إلى المعادلة الدولية بقوة تتجاوز نسبياً قوتها بعيد هزيمة الحرب العالمية الأولى، سوف تعيد إنتاج مجالها الحيوي المفقود بما يتناسب مع معطياتها الراهنة، وبالتالي إعادة إنتاج رؤية جديدة لمستقبل المنطقة والكيان الصهيوني في ضوء المعادلة الجديدة.
من الخطأ الاعتقاد أن التحول في ميزان القوى الدولي يسمح اليوم بإعادة توازن القوى الدولي أو الإقليمي ضمن الصيغة التي كانت سائدة قبل الحربيين العالميتين حيث التاريخ لا يكرر نفسه .
ولكن من المهم إدراك أن ترويض الكيان الصهيوني بات مسألة ملحة لانتفاء المعادلات التي كانت تحمله بوصفه كياناً غير مقيّد الحركة وخارج القوانين الدولية، وأداة الغرب الأكثر فعالية وكنزها الاستراتيجي في المنطقة، هذا الكيان "المصطنع" لا يحمل مشروعاً قابلاً للحياة بالحد الأدنى، أو يشكل إضافة لإقليم الشرق الأوسط، لأنه غريب عن نسيج المنطقة وثقافتها وحضارتها . فالكيان الصهيوني ليس باستطاعته العيش إلاَّ من خلال تهويد فلسطين من النهر إلى البحر انسجاماً مع أطروحات المشروع الصهيوني، وجعلها قاعدة آمنه للقيام بدوره الوظيفي في إخضاع الأمة، من خلال تفتيت المحيط، هذا التفتيت وتجزئة المجزأ أصبح اليوم مستحيلاً، خلافاً لكل الرهانات والأوهام إبّان الحرب الباردة، أو بعد الانتصار الامبريالي الموهوم على الاتحاد السوفيتي إثر انهياره، أوحتى بعد الحرب على العراق الشقيق ...
وقد فشل المشروع الامبريالي – الصهيوني حتى الآن في تهويد فلسطين أو تغييب شعبها، أو إخضاع الأمة لإملاءات هذا المشروع، فالشعب الفلسطيني موجود وصامد في فلسطين يقاوم، والممانعة والمقاومة العربية في سورية صامدة ومتمسكة بالحقوق الوطنية والقومية وتشكل نقطة دعم للمقاومة في فلسطين ولبنان والعراق وأصبح الكيان قلقاً على وجوده أكثر من أي وقت مضى. وما لم يستطع المشروع الامبريالي الصهيوني تحقيقه في الماضي، فإن تحقيقه الآن لم يعد ممكناً، لأن العالم لا يستطيع العيش في وضع دولي على تخوم حروب كارثية، وفي ظل توازنات الرعب على كل مستويات الصراع .
إن ما يجري للأسف من تحولات كبرى وتشكُّل هذه البيئة الإستراتيجية الراهنة دولياً وإقليمياً، تحدث وأمتنا العربية في حالة فراغ غير مسبوق، وغير قادرة على الإفادة من هذه البيئة الأكثر ملاءمة لها من كل المراحل التاريخية السابقة، إذا استثنينا الدور والموقف السوري الصامد والداعم لنهج المقاومة والرافض لأطروحات السلام المزيفة، والذي يشكل مرتكز التجسير مع كل من تركيا وإيران والعمل مع كل الشرفاء في الأمة لاستنهاضها وتشكيل مركزها القومي.
وللأسف فنحن إزاء نظام رسمي عربي ينخره الفساد والاستبداد، وبنى سياسية متآلفة تاريخياً مع معادلات سياسية باتت اليوم من حكم الماضي. وهو غير قادر على إيجاد مساحة له داخل التشكيلات الإقليمية وبالتالي الدولية الراهنة.
إن اكبر هذه الكيانات المتمثل في مصر تعيش حالة من فقدان الوزن ، لتأخر نظامها السياسي عن التعاون العربي المطلوب لوضع استراتيجية مناسبة للمستقبل السياسي للمنطقة العربية بوصفه القطب الأوزون داخلها. وبدلاً عن ذلك فقد غرق النظام المصري في معادلات الفساد الداخلي إلى الحد الذي انسدت أمامه الخيارات، وباتت خياراته الموضوعية تنحصر في الاعتياش على دور سياسي غير قابل للحياة، وكل ذلك نتيجة معاهدة كامب ديفيد الكارثية .
هذا الفراغ المخيف في النظام الرسمي العربي لا يمكن أن تقبله الطبيعة السياسية، بل ستندفع أطراف عديدة إقليمية ودولية لملئه إن لم تستطع نخب عربية القيام بذلك، من خلال إحداث اختراق في معادلة القوة بينها وبين نظمها السياسية، وتوظيف هذه المعادلات في استكمال مشروعها من خلال خلق معادلة توافق عربية على استراتيجية سياسية عليا تضعها على خارطة التشكيلات القادمة.
لم تكن البيئة الإستراتيجية الدولية يوماً تسمح للنخب السياسية العربية بتجاوز هذه النظم كما هو عليه الحال اليوم ، ولكن المشكلة أن غالبية هذه النخب تقبع اليوم في خانة الظلال للنظم السياسية بوصفها تابعاً وتسعى للشراكة من موقع المساومة، والجزء الآخر على شكل ظلال معارضة دون أن يمتلك شروط المعارضة الإستراتيجية صاحبة المشروع (البديل الثوري)، بل المعارضة من موقع التخالف وعدم الرضا، دون امتلاك الرؤية والإرادة القادرة على تقديم مخرج.
إن الخشية التي ينتجها هذا الفراغ هي أن يتجه العالم الساعي لتوفير الاستقرار والأمن في الشرق الأوسط على قاعدة التوافق على حدود مصالح الأطراف الدولية والإقليمية ودورها في المنطقة في إطار جدل الصراع والترويض لتحقيق ذلك، بما في ذلك الكيان الصهيوني "الصراع العربي – الصهيوني". هذا السعي للتوافق الذي يعطي للأمة العربية فرصة القيام بمعادلة الترويض للكيان الصهيوني، بما يجعلها قادرة على خنقه استراتيجياً وتفكيكه وتذويبه، إن هي حشدت إمكاناتها البشرية والمادية وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
والخشية أن يتجه العالم على ضوء واقع الأمة العاجز، إلى تكليف أو إعطاء الضوء الأخضر لطرف اقليمي للقيام بذلك، بديلاً عن الطرف العربي، بما يحوّل هذا الطرف الى مظلة هبوط آمن للكيان الصهيوني، وبوابة عبور لأطراف خارجية لإعادة ترسيم المنطقة العربية كمجال حيوي لها، أو تقاسمه مع آخرين.
نعم هذا يجري ومعظم النظام العربي صامت، والنخب السياسية تنتظر المعادلة الدولية من خلال أحد مكوناتها لتخوض المعركة نيابة عنها، والشعوب العربية في ظل هذا الفراغ تعيش حالة الإعجاب بهذا الزعيم الدولي أو ذاك، تنتظر المخلص المنتظر، فمرة تراه في هيئة احمدي نجاد ومرة في هيئة شافيز وأخرى في هيئة أردوغان مع الاحترام الشديد والتقدير العالي لهم جميعاً.
لكن من المهم الإدراك أن لا قائد محترم على وجه الأرض يخوض معركة الآخرين، بل لعل أهم خصائص القائد البطل تكمن في قدرته على خوض معركة شعبه وأمته بالأساس، ولا تكون صرخة المرأة المظلومة " وامعتصماه " إلا لقائدها "المعتصم"، وبعد ذلك يأتي الدعم من كل قوى الحرية في العالم، إن أحسنا حشد طاقاتنا وقدراتنا واعتمدنا على إنساننا العربي المالك لحريته وإرادته، والمؤهل بالوعي المعرفي لادارة الصراع بشكل علمي وغير مرتجل، في اطار البرامج الواضحة والتحالفات السليمة والأولويات الصحيحة التكتيكية والاستراتيجية لحماية آمننا القومي على كافة الصعد.
ليس صدفة أن تسمع وترى عملية الجمع في الخطاب وفي اللافته وفي الصورة داخل المسيرات الشعبية بين صور جمال عبد الناصر وصورة أردوغان. إنها شكل من أشكال البحث عن المفقود، وإيهام الذات بأن الوجود الخارجي يشبه إلى حد كبير الغائب المطلوب والخاص، ولكنه لا يسد عنه، وإلا لما كان هناك داع للجمع بينهما.
إذن لم يعد هناك من مجال لاستمرار الوضع الإقليمي على ما هو عليه، فتركيا هي الطرف الوحيد دولياً وإقليميا الذي يمتلك القدرة على تركيب المعادلة المطلوبة في البيئة الإستراتيجية الراهنة، فهي الدولة المركزية العضو في حلف الناتو، والتي تملك خطاباً قابلاً للهضم عربياً كما هو قابل للهضم غربياً، وهي الطرف الوحيد القادر على إقامة علاقة مع الكيان الصهيوني دون أن تتأثر صورته في عقل المواطن العربي، ودون أن تهتز علاقته بأطراف الاعتدال أو الممانعة العربية الرسمية، لأنها مع تسوية الصراع العربي – الصهيوني وفق المبادرة العربية.
تركيا هي المركز الإقليمي الوحيد الذي قدم للعالم من خلال كتاب وزير الخارجية التركي أحمد أوغلو "العمق الاستراتيجي" مجموعة مبادئ تكاد تكون ملزمة وموجهة للسياسة التركية، أساسها الأمن للجميع ، والتعاون بين الجميع والانفتاح على الجميع، كما أن تركيا هي الطرف الوحيد الذي يقيم علاقة مع منظمات مصنفة "إرهابية" في الغرب كحماس وحزب الله، دون أن يطلب الغرب منها التوقف عن هذه العلاقة، أو يعرضها لضغوط ناتجه عن هذا الموقف.
إنّ ما يجب ملاحظته بعمق هو أنه في حال رغبت تركيا لعب دور المروض للكيان الصهيوني، فإن مبادئ السياسية التركية تستدعي أن تكون مروضاً أو مقنعاً لأطراف المقاومة العربية، لأنه ليس بإمكانها أن تلعب دور رأس الحربة في رفع الحصار عن غزة، دون أن تأخذ التزاماً من الأطراف الموجودة في غزة بعدم التصرف بعيداً عن التزامات تركيا الدولية ومحددات سياساتها وإستراتيجيتها. وهي تعلم بأن فك الحصار عن قطاع غزة لن يكون بدون اتفاق دولي مع الكيان، لأنه يعتبر ذلك قضية حياة أو موت ولن يسمح به أبداً.
هناك نزوع دولي لفك الحصار عن القطاع لم تتحدد معالمه بعد، وهناك أكثر من اجتهاد حول الوسائل والآليات لضمان أمن الكيان من جهة وضمان نقل المعونات الإنسانية للقطاع من جهة أخرى. وهناك طرح حول الاستعانة بقوات دولية، أو قوات تقتصر على "الناتو" ولكن من خلال العضو التركي في هذا الحلف لأنه سيقدم بوصفه تركيا المقبولة من كل الأطراف وليس بوصفه قوة "ناتو". وقد يبدو هذا الخيار مستبعداً في ضوء العلاقات التركية الصهيونية المرشحة للتصعيد، بسبب عدم إقرار الكيان بالدور الإقليمي المركزي لتركيا على حساب دوره الوظيفي الإقليمي. وهذا يعني صراعاً مفتوحاً في المنطقة على حدود المصالح والدور دولياً وإقليميا، حتى تتوصل كل الأطراف إلى اتفاق حول مصالحها ودورها. وفي صلب هذا الاتفاق التوصل إلى حل للصراع العربي – الصهيوني، والذي يبدأ بالمصالحة الفلسطينية على قاعدة التسوية التي أصبحت مقبولة من معظم الأطراف الفلسطينية بما فيها حركة حماس تحت حجة المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني الذي سيتم استفتاؤه على وطنه.
ليس في هذا الكلام اعتراضاً على الدور التركي، ولا إنكاراً لايجابياته، ولكنه اعتراض على الفراغ الذي لا يبني على هذا الدور، بل يترك له التحول في فراغ كامل (سوى الموقف السوري)، يجعله يتشكل وفق مصالح الغير التي لا يمكن إلا أن تجود عليه بفوائض مشاريعها الخاصة إيجابا أو سلباً، وليس بمساحة حقوقك، وهذا قانون الطبيعة وليس أحكام على النوايا.
أما على المستوى الفلسطيني فإن لديه قوى سياسية كبيرة وصغيرة، لكنه مازال يفتقد للتنظيم القائد القادر أيضاً على الاستفادة من البيئة الدولية التي تحتمل البناء عليها لاستعادة الحقوق الفلسطينية. ولأن الأمر كذلك ستبقى هذه القوى تبحث عن طرف تتحرك على هوامش مصالحه، وتعيد إنتاج نفسها كفصائل وعشائر، أو كمناذرة وغساسنة، دون القدرة على إعادة إنتاج حالة سياسة "حركة التحرر الفلسطيني" المعبرة عن مصالح شعب مناضل وتقوده نحو أهدافه العليا، وتجبر العدو كما الحليف على الإحساس بالحجم والمساحة المطلوبة لمصالحه الآن وفي المستقبل، دون البحث عن أوطان بديلة أو حلول على حساب الأردن لأن هذه الحلول ستكون ضد فلسطين والأردن معاً.
يبدو كأن النظام السياسي العربي قد اختبأ بين يدي خزيه معتقداً أن وضع الأيدي على الوجه خزياً، كافياً لطمس الخزي، بينما اكتفت معظم النخب السياسية بالتغني بالدم التركي وكارزمية أردوغان، دون أن تتذكر أن الدم التركي الزكي وكارزمية أردوغان لا يمكن أن تغطي عار التقصير المفجع، ولا الانتماء اللفظي لهما بقادر على تعبئة مساحات الخواء، ولا يمنح صكوك غفران للنكوص عن الدور التاريخي المطلوب ذاتياً وطنياً وقومياً، والذي به يمكن تطوير مواقف الأطراف الإقليمية الصديقة نحو تحرير فلسطين وتحقيق أهداف الأمة العربية، حين تصل هذه الأطراف إلى قناعة معنا بأن هذا الكيان الصهيوني العنصري الاحلالي خطر على أمنها ومصالحها استراتيجياً، وعندما يصبح التعاون على قاعدة المشترك من مصالح وتراث وثقافة وحضارة بين الأمة العربية وكل من تركيا وإيران، وبناء نظام إقليمي لا يتناقض مع هذه المصالح.
إن من السذاجة السياسية أن يعتقد البعض اليوم بأن الإدارة الأمريكية ستقوم بإضعاف الكيان الصهيوني، الذي لا يزال جزءاً أساسياً من إستراتيجيتها الإقليمية والدولية قبل تبلور حدود مصالحها والمصالح الدولية والمراكز الإقليمية. ومن السذاجة أيضا إن لم أقل غير ذلك لبعض قوى المقاومة في بلادنا التي لا تعتبر الولايات المتحدة العدو الرئيسي لشعبنا وأمتنا ولشعوب العالم.
كما أنه من الجهل السياسي عدم الاهتمام بالعلاقة مع الصين وروسيا الاتحادية ، وتوصيفها من قبل البعض بأنها حليف للكيان الصهيوني، وبأنها تبني علاقاتها مع الآخرين وخاصة مع الولايات المتحدة من أجل مصالحها وعلى حساب العرب والمسلمين. إن هذا الفهم ينقصه فهم التحولات والعلاقات الدولية على قاعدة المصالح، كما ينقصه فهم الموقفين الصيني والروسي تجاه المخاطر عليهما من قبل الولايات المتحدة، وليس من العرب والمسلمين التي تتطور العلاقات بينهم في كافة المجالات لكن دون أية أوهام بأن تتطابق المصالح في كل زمان ومكان. فبين أمتنا العربية، كما الدول الإسلامية، الكثير من المشترك مع هذين البلدين موضوعياً في مواجهة أطماع الامبريالية التي لم تتخلى عن أوهامها بقيادة العالم، وإن بدى ذلك من المحال الآن.
و إنها لمعيبة مواقف الاستهزاء بالتجربة الصينية وتجربة الاتحاد السوفيتي السابق المنطلقة من البعض، حيث وقف كلاهما الى جانب قضايا أمتنا ولا زالا نسبياً رغم المتغيرات الدولية. ولأننا أمة الوفاء فعلينا أن نقدر ونثمن مواقفهما ونعمل على تطوير العلاقات معهما، حيث لن يستفيد من مواقف الاستعداء اتجاههما إلا أعداء شعبنا وأمتنا.
ومن السذاجة أيضاً أن نتوهم بأن "دولة إسرائيل" قادرة على التخلي عن مشروعها الصهيوني رغم الأصوات الصهيونية من داخلها وخارجها التي تطالبها بتغيير سياستها لضمان استمرار وجودها ومن موقع حرصهم عليها. ويصبح من الضروري الاهتمام بهذه التطورات دون تفاؤل طوباوي أو إهمال، بل العمل على الاستفادة منها في تعميق أزمة الكيان لأنه إذا تكامل هذا التحول داخل الكيان الصهيوني مع ألوف المفكرين الصهاينة والتحولات الرسمية والشعبية في الغرب، مع كفاح متواصل فلسطينياً وعربياً لضرب امن الكيان واقتصاده وروحه المعنوية والاستمرار في تعرية وفضح عنصريته وإجرامه على الصعيد العربي والإقليمي والدولي، فإنه يصبح ممكناً الاستفادة من التحولات الدولية والبيئة الإستراتيجية دولياً وإقليميا في الشرق الأوسط، والتي يمكن أن تكون المقدمة الضرورية لانجاز الخنق الاستراتيجي لهذا الكيان على طريق هزيمته نهائياً.

 
علق على الموضوع...
الاسم (اختياري):
البريد الالكتروني (اختياري):
التعليق: