| | | | |
شؤون فلسطينية
شؤون عربية
شؤون عالمية
شؤون صهيونية
ثقافة
وثائق
دراسات وأبحاث
صحافة عربية
صحافة أجنبية
كاريكاتير
روابط
 
آخر الأخبار
Monday, September 6, 2010
  شؤون عربية
العلاقات الخليجية التركية.. بين دواعي التوثيق ومعوقات التفعيل
[2009-10-21]














شهدت العلاقات التركية مع دول مجلس التعاون الخليجي تطورات كبيرة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، خاصة بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الجانب التركي ودول مجلس التعاون الخليجي، وذلك أثناء اجتماع وزراء خارجية الدول المعنية في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية في 3 سبتمبر 2008م.

ومن المتوقع أن تشهد هذه العلاقات بموجبها انتعاشًا واضحًا، وبقدر وجود العديد من الدوافع والمحفزات التي أدت إلى الإسراع بخطى التقارب والتعاون التركي مع دول مجلس التعاون الخليجي، فإن واقع ذلك التعاون ما زال ينحصر في المجال الاقتصادي، ولعل ذلك يرجع في المقام الأول إلى وجود العديد من المعوقات والإشكالات التي تقف حجر عثرة أمام التكامل الخليجي – التركي.

ومن محصلة الدوافع والواقع والمعوقات، يمكن بلورة استراتيجية شاملة، ورؤية متكاملة لتفعيل العلاقات التركية – الخليجية، لخدمة الأمن القومي الخليجي والعربي من ناحية، والأمن التركي من ناحية أخرى، وهذا ما سوف نتناوله عبر أربعة مباحث رئيسة على النحو التالي:

أولاً: العوامل التي تحتم تفعيل العلاقات التركية – الخليجية.

ثانيًا: الحالة الراهنة للعلاقات الخليجية – التركية.

ثالثًا: المعوقات الراهنة للعلاقات بين مجلس التعاون الخليجي وتركيا.



أولاً: العوامل التي تحتم تفعيل العلاقات التركية الخليجية:
هناك العديد من الدوافع التي حفزت دول مجلس التعاون الخليجي على تقاربها مع تركيا.

فعلى المستوى السياسي: تظهر الرغبة الخليجية الملحة لتحقيق نوع من التوازن، في منطقة الخليج العربي، خاصة بعد احتلال العراق، واستمرار إيران في برنامجها النووي، وتعنتها في قضية احتلال الجزر الثلاث الإماراتية، ورفضها كل مبادرات الحل السلمية التي تم طرحها من قبل القوى الإقليمية والدولية في هذا الشأن (وخاصة الروسية منها)، فكانت تركيا هي ضالة دول الخليج لتحييد القوة الإيرانية في المنطقة، خاصة بعد ظهورها كفاعل أساسي ورئيس على الساحة الإقليمية والدولية، لاسيما في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية، والتي حاولت استعادة الدور التاريخي لتركيا، وتكثيف علاقاتها سواء على المستوى الخليجي أو العربي (وخاصة مع سوريا والعراق وإيران متجاوزة بذلك خلافات الماضي).

ولعل التطور السياسي في العلاقات التركية – الخليجية قد ظهرت بوادره خلال عامي 2007، 2008م في قيام العاهل السعودي خادم الحرمين الشريفين بزيارتين رسميتين لتركيا، خلال (15) شهرًا، وحرص تركيا على المشاركة في القمم العربية.

وتمشيًا مع ذلك أيضًا، قامت دول مجلس التعاون الخليجي بتوقيع مذكرة تفاهم مع تركيا في الثالث من سبتمبر 2008م، تمثل طفرة جديدة في العلاقات الخليجية – التركية على كافة المستويات، وكرد فعل على تصاعد حدة المناوشات الخليجية – الإيرانية في الفترة الأخيرة.

أما على المستوى الاقتصادي: فإن تركيا تمتلك اقتصاديات متنوعة ومتعددة جعلتها تحتل المركز الـ (15) عالميًا، علاوة على تمتعها بإمكانات صناعية وزراعية وتجارية ومائية، وارتفاع حجم وارداتها بما يوازي 20 مليار دولار سنويًا، وبما يوازي 90% من احتياجاتها النفطية، كما أن تركيا تعاني من نقص رءوس الأموال والاستثمارات اللازمة لنمو الاقتصاد التركي، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها والمتمثلة في ارتفاع معدلات التضخم، وتراكم المديونية الداخلية والخارجية بها.

ومن هنا، فإن تركيا تمثل أرضًا خصبة للاستثمارات الخليجية مهيأة لجذب أعلى قدر ممكن منها، لاسيما في ظل انخفاض حجم الاستثمارات الخليجية والعربية في تركيا، مقارنة بحجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتي قدرت بحوالي 22 مليار دولار عام 2007 / 2008م.

إلى جانب ذلك، فإن تركيا تعد من الفاعلين الأساسين في حجم التجارة العالمية، حيث بلغ حجم التجارة الخارجية التركية عام 2007 / 2008م حوالي 280 مليار دولار (110 مليار دولار صادرات، 170 مليار دولار واردات)، ومن المتوقع أن يصل حجم تجارته الخارجية إلى نصف تريليون دولار في عام 2023م. ومن هنا فإن دول مجلس التعاون الخليجي لديها رغبة في رفع نسبة التبادل التجاري مع تركيا، والتي لا تتعدى حتى الآن 2.7% من حجم التجارة الخارجية التركية.

أما على الصعيد الصناعي: فإن دول الخليج في حاجة شديدة إلى الاستفادة من مواد البناء التي تقوم تركيا بإنتاجها بمختلف أنواعها، خاصة في ظل الطفرة العمرانية التي تشهدها منطقة الخليج الآن، ذلك أن تركيا ثاني أكبر منتج لصفائح الزجاج في العالم، وسادس أكبر منتج للأسمنت، علاوة على كونها تحتل المرتبة الثالثة ضمن أفضل لائحة المتعهدين للإنشاءات عالميًا، بعد الولايات المتحدة، والصين.

وأخيرًا، تعد تركيا - والتي تعتبر من أوائل الدول عالميًا من حيث تحقيق الأمان والاكتفاء الغذائي بها – البوابة الخليجية لتحقيق الأمن الغذائي، خاصة في ظل المشروع التركي (مركز الإنتاج الزراعي، وسلة الغذاء في الشرق الأوسط)، والذي تسعى تركيا من خلاله إلى تحويل منطقة شرق الأناضول إلى مركز لإنتاج وتوزيع المحاصيل الزراعية والغذاء على كافة بلدان المنطقة، وذلك عبر ري نحو ملياري هكتار من الأراضي القابلة للزراعة وتطوير الصناعات الغذائية فيها، وذلك بإجمالي استثمارات (12) مليار دولار على مدى أربع سنوات.

أما على المستوى الأمني والعسكري: فإن تركيا تتمتع بخبرات عسكرية ونووية تتمثل في صناعاتها العسكرية الدفاعية المتقدمة، ودخولها عالم إنتاج الأسلحة وأنظمة التسلح المشتركة بالحصول على تراخيص إنتاج من بلد المنشأ، علاوة على دخول تركيا عالم الطاقة النووية بتنفيذها مشاريع إنشاء المفاعلات النووية لأغراض سلمية (وأولها في مدينة سينوب على البحر الأسود). ومن هنا، فإن دول مجلس التعاون الخليجي باستطاعاتها الاستفادة من التجربة النووية والعسكرية التركية.

كذلك، فإن هناك العديد من المحفزات التي جعلت تركيا تسرع من وتيرة ومسار العلاقات مع الدول الخليجية، خاصة خلال عامي 2007، 2008م، ومن أهم هذه المحفزات:

- الرغبة في تأمين احتياجاتها النفطية:

من المعروف أن تركيا تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها النفطية، وبما قيمته 20 مليار دولار، هذا في الوقت الذي تحتوي فيه منطقة الخليج على 65% من احتياطي النفط العالمي، و38.8% من الاحتياطي العالمي للغاز، كما تحتفظ دول مجلس التعاون الخليجي الست بـ 35% من احتياطي النفط العالمي.

ومن هنا، فإن قيام تركيا بتأمين إمداداتها النفطية أهم دوافع حرصها على العلاقات مع دول الخليج، التي تعاني من أزمة مائية تساهم تركيا في حلها من خلال مشروع (أنابيب السلام) الذي يؤمن أربعة ملايين متر مكعب من المياه يوميًا لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث يمكن القول بأن هناك نوعًا من التعامل النفطي - المائي بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي.

- العمل على جذب الاستثمارات ورءوس الأموال الخليجية:

أدركت تركيا الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج العربي؛ نظرًا لما يتوافر بدول هذه المنطقة من موارد الطاقة والإمكانات المادية، والعديد من فرص العمل، فضلاً عن سيطرتها على أهم المضايق الدولية التي تتحكم في نقل النفط. في الوقت الذي تعاني فيه تركيا من العديد من الاختلالات الاقتصادية، حيث التضخم وارتفاع حجم المديونيات الخارجية والداخلية، ونقص رءوس الأموال والاستثمارات الخليجية والعربية، وهو ما جعل تركيا تغير من استراتيجياتها وتوجهاتها تجاه دول مجلس التعاون الخليجي، باعتبارها أحد المداخل الرئيسية للخروج من كبوتها الاقتصادية حيث الاستثمارات الجديدة ومصادر الطاقة الرخيصة والمتوافرة، وتأسيسًا على ذلك عمدت تركيا إلى جذب الاستثمارات الخليجية، والتي تجاوزت 4 بلايين دولار، خلال عام 2007 / 2008م، وهناك توقعات تركية تشير إلى ارتفاع حجم الاستثمارات الخليجية، بما يوازي 20 بليون دولار خلال عام 2008م، ثلثها تقريبًا من منطقة الخليج.

- سعي تركيا للحفاظ على أمن الخليج:

تؤمن تركيا بأن تحقيق توازن إقليمي – بمساعدة القوى الدولية الكبرى – هو الصيغة المثلى لأمن منطقة الخليج العربي، ومن أجل تحقيق ذلك سلكت تركيا مسالك شتى، منها:

توثيق العلاقات مع منطقة الخليج العربي سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو العسكري، يهدف سد الفراغ الأمني في هذه المنطقة، ومواجهة ما قد يتهددها من ممارسات تقوم بها بعض دول الحوار.

القيام بدور في تعزيز الأمن الإقليمي الخليجي، وذلك مساندة حلف الناتو في تطلعاته الجديدة نحو منطقة الخليج العربي، وذلك استنادًا إلى مبادرة (إسطنبول) التي أطلقها الناتو في عام 2004م، وانضمت إليها دول مجلس التعاون الخليجي في السنوات الأخيرة.

- توقيع مذكرة التفاهم الاستراتيجي – سبتمبر 2008م:

وذلك استكمالاً للدور الرائد والحيوي لتركيا في المنطقة ومحاولتها تهدئة الصراعات فيها، من خلال الوساطة التركية في المفاوضات السورية الإسرائيلية، علاوة على انفتاح تركيا وحوارها الدائم مع إيران، واهتمامها الكبير بوحدة العراق واستقراره وتعاملها بوعي سياسي مع الأزمة التي حدثت في العراق بشأن حزب العمال الكردستاني، وتدخلها العسكري في شمال العراق، وهي العملية التي أطلق عليها "النقطة" أي التي تستهدف نقاطًا محددة بعيدًا عن إصابة مدنيين أو أهداف مدنية في منطقة العمليات.

ثانيًا: الحالة الراهنة للعلاقات الخليجية – التركية:

على الرغم من تعدد مجالات العلاقات الخليجية التركية، فإن المجال الاقتصادي كان صاحب الخط الأوفر بين تلك المجالات.

وبصفة عامة، يمكن القول بأن هناك تعددًا في أطر وآليات هذا التعاون في الوقت الحالي.

فلقد إزدادت هذه العلاقات منذ حقبة الثمانينات، حيث سعت تركيا بشكل ملحوظ إلى تنمية علاقاتها الاقتصادية مع دول مجلس التعاون الخليجي، كما فتحت دول الخليج أسواقها للمنتجات والشركات والمؤسسات التركية، بالإضافة إلى توفير احتياجات تركيا من النفط الخليجي، ثم شهد حجم التبادل التجاري طفرات جديدة، وتتنوع العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج وتركيا ما بين:

التجارة وتأمين مصادر الطاقة، وحركة رأس المال والقروض والمساعدات المالية الممنوحة من دول الخليج العربية، وأنشطة شركات الإنشاءات والمقاولات التركية، وذلك على النحو التالي:

(1) على الصعيد التجاري:

منذ حقبة الثمانينات، أصبحت منطقة الخليج العربي شريكًا تجاريًا رئيسيًا لتركيا، حتى وصل الأمر إلى عقد مفاوضات بين دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا لإقامة منطقة تجارة حرة بين الجانبين، وقد وصلت المفاوضات مراحل متقدمة عام 2005م، ورغم ذلك فما زالت الاستثمارات الخليجية في تركيا لا تتعدى مليارين ومئة بليون دولار، وفقًا لتقديرات وزارة الخزانة التركية في مارس 2008م.

في الوقت نفسه، حدثت خلال شهري سبتمبر 2008م وأكتوبر 2008م نقلة نوعية في العلاقات الخليجية – التركية، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم خليجية – تركية في سبتمبر 2008م، مع توقيع ثلاثة مؤسسات مالية خليجية، وهي (بنك استثمار بي إس إس، وصندوق أبو ظبي للاستثمار، وصندوق التمويل الخليجي)، اتفاقية مع تركيا ستة مليارات دولار في قطاعي الزراعة والبنية التحتية التركية، وذلك في أكتوبر 2008م. إضافة إلى توقيع اتفاقية إطار للتعاون الاقتصادي بين الجانبين في مايو 2008م، وعقد جولتي مفاوضات لإقامة منطقة التجارة الحرة، خلال عامي 2005م، 2006م، وفي المقابل نجد أن الصادرات التركية لدول مجلس التعاون الخليجي قد ارتفعت ارتفاعًا ملحوظًا، خلال عامي 2007م، 2008م.

ففي عام 2007م، بلغت قيمة الصادرات التركية لدولة الإمارات العربية المتحدة أكثر من ثلاثة مليارات ومئتين وأربعون مليون دولار، أو ما نسبته 3% من إجمالي الصادرات التركية، كما بلغت صادرات تركيا إلى السعودية نحو مليار وأربع مئة وستة وثمانين مليون دولار.

كما شهد عام 2008م، طفرة هائلة في الصادرات التركية لدول مجلس التعاون الخليجي، إذ ارتفعت هذه الصادرات إلى الكويت بنسبة 177%، وإلى قطر 203%، وإلى الإمارات العربية المتحدة بنسبة 210%، لتحتل بذلك دولة الإمارات العربية المتحدة قمة مستقبلي الصادرات التركية، متقدمة في ذلك على ألمانيا، ويعد هذا تحولاً تاريخيًا في العلاقات التركية – الخليجية عامة والإماراتية خاص.

(2) على صعيد الطاقة والمياه:

تركيا في المقام الأول دول مائية، أما دول مجلس التعاون الخليجي، فهي دول نفطية، ونتيجة للمصلحة المتبادلة فيما بينهما ظهرت العديد من الأطروحات التي تنادي بعملية المقايضة بين المياه التركية والنفط الخليجي، خاصة وأن تركيا تعد مستوردًا إقليميًا كبيرًا للغاز والنفط، بينما تعاني دول مجلس التعاون الخليجي من شح مائي واضح، وتمثل المياه المحلاه صناعيًا أكثر من 75% من المياه المستخدمة في دول الخليج العربي بكمية تصل إلى 1.85 مليار متر مكعب أي حوالي 90% من إجمالي إنتاج المنطقة للمياه المحلاه. ورغم أهمية التكامل الخليجي – التركي لتحقيق الأمن المائي الخليجي، والأمن النفطي التركي فإن التعاون التركي الخليجي في مجال الطاقة ما زال دون المستوى المأمول، علاوة على أن مشروع (أنابيب السلام) مازال معطلاً حتى الآن، وإن كانت اتفاقية التفاهم الخليجية – التركية المبرمة في سبتمبر 2008م، قد مهدت لعلاقات استراتيجية جديدة بين دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا على كافة الأصعدة.

(3) التعاون التركي – الخليجي عسكريًا وأمنيًا ودفاعيًا:

حاولت تركيا ودول مجلس التعاون تعزيز تعاونها العسكري خاصة بعد حرب الخليج الثانية، حيث حصلت تركيا على مكسب استراتيجي من خلال الإسهام المالي الكبير لبعض دول الخليج العربي في صندوق الصناعات العسكرية التركية الذي يبلغ رأسماله حوالي 3.5 مليارات دولار).

إضافة إلى ذلك، فقد تم في سبتمبر 2008م توقيع مذكرة التفاهم بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي، والتي ستكون مدخلاً هامًا لتفعيل التعاون العسكري والدفاعي بين الجانبين.

وتتمتع تركيا بمكانة كبيرة في المنظومة الأطلسية، والتي بلورته مبادرة إسطنبول للتعاون (ICI) في يونيو 2004م، حيث تملك تركيا أكبر جيش في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لاحتفاظها بنحو نصف مليون جندي في الخدمة، و900 ألف عنصر احتياطي، وهذه المكانة ستكون أحد المداخل التي ستمكنها من الحضور القوي في منطقة الخليج العربي، خاصة وأن معظم دول مجلس التعاون الخليجي قد انضمت إلى مبادرة إسطنبول للتعاون، وإلى جانب ذلك ففي مجال التصنيع العسكري تمكن لدول الخليج الدخول في إنتاج مشترك مع الأتراك لطائرات التدريب العسكرية، وكذلك للصواريخ متوسطة المدى، خاصة وأن تركيا تتمتع بخبرة متنامية في صناعة معدات وآليات الدفاع العسكري؛ علاوة على استفادة الدول الخليجية من التجربة النووية التركية في بناء المفاعلات النووية السلمية.

ثالثًا: المعوقات التي تعترض سبيل التعاون التركي – الخليجي:

هناك العديد من العوائق التي تقف حجر عثرة في طريق تفعيل العلاقات التركية – الخليجية، ومن أهمها: غياب الآليات اللازمة لتطوير العلاقات؛ بسبب اتباع تركيا لسياسة الانعزالية تجاه المنطقة العربية، فضلاً عن نظرة الريبة من قبل دول مجلس التعاون الخليجي لتطور العلاقات التركية الإسرائيلية، منذ منتصف التسعينيات، وتخوفها من أن تكون أنقرة هي السبيل الإسرائيلي لاختراق اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي، وتطبيع العلاقات معها.

علاوة على عدم رضا دول الخليج عن المبادرات التركية الرامية إلى جعل الماء التركي مقابل النفط الخليجي، وذلك من خلال مشروع (أنابيب السلام).

إلى جانب ذلك، هناك العديد من المعطيات والقيود التي تحد من فاعلية العلاقات التركية تجاه دول مجلس التعاون الخليجي، من أهمها: أن تركيا لا تستطيع التخلي عن ارتباطاتها السياسية والعسكرية مع الغرب، خاصة في ظل عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وحرص الغرب على ضرورة الوجود التركي في منطقة الخليج العربي كعنصر توازن في مواجهة الدورين العراقي والإيراني، مع وجود تحفظ غربي – أمريكي على توسع الدور التركي في منطقة الخليج العربي، لما يمثل ذلك من تخلي تركيا عن الوصايا الأمريكية.

من ناحية أخرى، تمثل المشكلات الداخلية في تركيا قيدًا آخر على السياسة التركية في الخليج العربي، مثل قضية الأكراد التي تهدد الأمن والتوازن داخل المجتمع التركي، كما تهدد وحدة أراضيه، وتسبب ضغطًا على الحكومة التركية، وحرجًا على المستويات الإقليمية والدولية.

كما تعتبر المشكلات المثارة بين تركيا من ناحية وسوريا والعراق من ناحية أخرى فيما يتعلق بأزمة المياه من العقبات التي تواجه السياسة التركية تجاه دول مجلس التعاون الخليجي، وإن كانت هناك انفراجة في العلاقات التركية – السورية، خاصة مع الوساطة التركية بين سوريا وإسرائيل، أما على المستوى العراقي فقد ازداد الأمر تأزمًا مع قيام تركيا بعمليات عسكرية واسعة في شمال العراق.

رابعًا: رؤية مستقبلية للعلاقات التركية – الخليجية:

من أجل إثراء التعاون الخليجي – التركي وتفعيله في المستقبل القريب، خاصة على المستوى الاقتصادي، لابد من تبني العديد من الآليات والبرامج، من أهمها: إعادة بناء هيكل البنية الأساسية، وخصوصًا في مجال النقل، لتفعيل التبادل الاقتصادي والتجاري بين دول مجلس التعاون الخليج وتركيا.

إضافة إلى ضرورة إقامة منطقة للتجارة الحرة بين الجانبي، وفي هذا السياق ينادي بعض الخبراء بإمكانية توسيع اتفاقية التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي المزمع توقيعها لتشمل تركيا، لاسيما أن تركيا أسواقها مفتوحة مع دول الاتحاد الأوروبي ضمن اتفاقيات الشراكة.

علاوة على ضرورة توحيد المعاملة الضريبية بين الجانبين، لمنع الازدواج الضريبي، وتشجيع إقامة المشروعات المشتركة خاصة من قبل القطاع الخاص سواء التركي أو الخليجي، وهذا يعني الاستفادة الخليجية من وضع تركيا في الاتحاد الأوروبي لتسويق هذه المنتجات.

كذلك من الضروري تشكيل مجلس للتعاون الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا يسهم فيه القطاع الخاص، ويجتمع بشكل دوري للبحث في تطورات العلاقات، ومواجهة المشكلات التي تفترضها.

وفي هذا السياق أيضًا، فإن تفعيل العلاقات التركية – الخليجية يتطلب ضرورة وجود تصور استراتيجي جماعي لدى كل طرف حول علاقته بالطرف الآخر بحيث يشمل هذا التصور تحديد موقع كل طرف وأهميته في العلاقات الخارجية للطرف الآخر، والأهداف المتوخاه من التعاون معه، والفرص والتحديات المرتبطة بهذا التعاون، وسبل تحويل الخطط والبرامج إلى واقع فعلي، والجهات المسؤولة عن هذا التعاون وغير ذلك.

مع وضع إطار مرجعي للتعاون الخليجي – التركي، يحدد الأسس الحاكمة للعلاقات بين الجانبين، ويضمن استمرارها ونموها، وكذلك ضرورة بناء إطار مؤسس ثابت يتم من خلاله تنظيم العلاقات الخليجية – التركية، حيث أثبتت سنوات التعاون الثنائي الخليجي التركي ضعف الجدوى من هذا النمط التعاوي، خاصة مع افتقاره إلى الاستقرار والتنسيق اللازمين لقيام علاقات تعاونية فعالة.

وهنا قد يكون من الملائم إقامة منتدى للتعاون الخليج – التركي ليكون بمنزلة آلية للتنسيق السياسي الكامل والتعاون الاقتصادي الفعّال، وذلك على ضوء آلية التنسيق السياسي والاقتصادي الصينية الخليجية، والتي أنشئت عام 1996م، ومنتدى التعاون الاقتصادي الإيراني الأفريقي الذي أنشئ في مارس 2003م.

إلى جانب ذلك، لابد من الوعي بأن العلاقات الخليجية – التركية أعمق من أن تختزل في الجانب الاقتصادي فقط، ومن ثم لابد من العمال على تقوية هذه العلاقات على كافة الأصعدة السياسية والثقافية والاجتماعية الأخرى، مع البدء في إقامة حوار حضاري ثقافي بين شعوب الخليج العربي والشعب التركي. مع ضرورة إعطاء الفرصة لمؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات القطاع الخاص؛ لكي تمارس دورها المنشود في تدعيم العلاقات الخليجية – التركية، خاصة وأن تأسيس العلاقات بين الجانبي على أسس شعبية وغير رسمية من شأنه أن يبعدها عن تقلبات وأهواء السياسة، ومما يزيدها قوة واستقرارًا

علق على الموضوع...
الاسم (اختياري):
البريد الالكتروني (اختياري):
التعليق: