[2009-03-13] من كتاب أبو خالد العملة:"نتنياهو سلام القوة والإخضاع"
من المؤكد أن نتنياهو سيسعى إلى استثمار كل ما تم إنجازه من خلال حكومة العمل لتحقيق مزيد من رضوخ الأنظمة العربية والسلطة الفلسطينية وجرهم إلى تنازلات إضافية وأكثر خطورة، وسيحاول نتنياهو إعفاء حكومته من تقديم أي تنازلات مهما بدت ثانوية وهامشية وشكلية للجانب العربي، وهو ما عبر عنه صراحة بضرورة "تكييف" الجانب العربي مع أطروحاته وتصوراته للأولويات والأسس الجديدة للسلام المزعوم. هذا على صعيد التكيتيك المباشر، ومن المؤكد أن الولايات المتحدة ستمنح نتنياهو الوقت الكافي لاختبار تكتيكه هذا، الذي سيكون نافعاً دون شك للسياسة الأمريكية في حال نجاحه. أما إذا أدى هذا التكتيك إلى نتائج معاكسة فحينها يكون لكل حادث حديث، ولا شك أن الولايات المتحدة ستتدخل بفاعلية وتأثير لمنع انهيار مشروعها "الشرق أوسطي" الأكثر حيوية وأهمية بالنسبة لاستراتيجيتها الكونية الساعية للسيطرة على العالم، والاستمرار كقوة دولية كبرى وحيدة مهيمنة على النظام الدولي.
ليس ثمة خوف كبير لدى الصهاينة والأميركيين من أن يؤدي سلوك نتنياهو السياسي الحالي إلى انهيار المشروع الأمريكي – الصهيوني، فأوضاع الرسمية العربية لا تبشر بالانتفاض أو المواجهة، لذا يمكن الرهان على المزيد من الانجازات الصهيونية والأمريكية، والمزيد من التنازلات العربية والانصياع للشروط الصهيونية والاستسلام لها!!، خصوصاً تنازلات سلطة الحكم الذاتي.
يدرك الأمريكيون جيداً أن الواقع العربي الرسمي عاجز وضعيف ويمكن عدم أخذه بالاعتبار، وكان واضحاً أيضاً، لدى زيارة نتنياهو كرئيس حكومة صهيونية إلى الولايات المتحدة، كيف حرصت الإدارة الأمريكية، على عدم الانسجام مع مواقفه، وعلى إعطائه "الفرصة".
والفرصة الممنوحة لنتنياهو يمكن تفسيرها بإتاحة المجال له ولأحزاب اليمين وللأحزاب الدينية للانطلاق من بعد أيديولوجي صهيوني أعلى لتحقيق ما بسمي "بالسلام"، ودونما تفريط بهذا البعد العقائدي الذي يتصل بتهويد الأرض الفلسطينية، والأراضي العربية، وبمفاهيم "الأمن" كما يطرحها رئيس الحكومة الصهيونية الحالي.
لقد طرح "نتنياهو" على الناخب الصهيوني برنامجاً استراتيجياً، وليس برنامجاً انتخابياً تكتيكياً خاضعاً للرتراجع عنه كما يعتقد البعض. وقد اتضح لاحقاً أن برنامج نتنياهو الانتخابي، وهو ذاته برنامجه الحكومي، وهو نفس ما عرضه علناً لدى زيارته الأولى للولايات المتحدة في لقائه بالرئيس كلنتون، أو في خطابه أمام مجلسي النواب والشيوخ في الكونغرس الأميركي.
ينطلق برنامج نتنياهو من منطلقين رئيسيين:-
الأول: لا تفريط في أرض "التوراة"
الثاني: لا تفريط بكل ما يجعل الكيان الصهيوني مالكاً بشكل مباشر لعوامل القوة والتفوق على العرب فرادي ومجتمعين، وبالتالي لا تفريط بكل ما يجعل هذا الكيان قادراً على القيام بدوره الإقليمي ومهامه اللاحقة.
إن شرط قدرة الكيان الصهيوني على إنتاج دوره اللاحق هو تماسكه، أما تماسكه فيكمن في البعد الأيديولوجي العقائدي الصهيوني التوراتي التلمودي الذي قام عليه أساساً، واستمد منه دماء حياته فيما بعد.
لقد كان الليكود وأحزاب اليمين والأحزاب الدينية الصهيونية أقدر من حزب العمل على التأكيد على هذه القاعدة الصهيونية، وتقديم أنفسهم كممثلين حقيقيين لها أمام الناخب الصهيوني في الانتخابات الأخيرة. وعندما حاول بيريز في أسابيع حكمه الأخيرة المزايدة على خصومه بخطاب القوة والعنف والأمن، كان يقر بدوره بهذه الحقيقة الصهيونية التي لم يتنكر لها يوماً، رغم تجاهلها من كثير من الرسميين العرب اليوم.
الفكر الصهيوني مستمد من التوراة والتلمود
إن الكيان الصهيوني بغض النظر عن مجيء العمل أم الليكود لم يغير جلده يوماً، ولم يتخل عن فكره العنصري الديني وعن أهدافه الصهيونية، فيهودية الكيان مبدأ لا تجوز معارضته، والتعاليم التوراتية والتلمودية في الكيان الصهيوني ليست مجرد تاعاليم عامة، أو شؤوناً دينية بحتة منفصلة عن تركيبة "الدولة" وحياة "التجمع الاستيطاني"، فمنها استمدت مبررات الوجود المزعومة، ومبررات الاستمرار، وأسس القيام بوظيفة العدوان، ومخططات تهويد فلسطين وطرد أهلها، والتوراة هي التي زودت الصهيونية بأهم رموزها وذخائرها الثقافية (اللغة العبرية، الهوية، التقاليد المشتركة).
ورغم ادعاء الحركة الصهيونية، بأنها حركة "علمانية" لا دينية إلا أن هذه الحركة استمدت من التوراة والتلمود كل مكونات دعوتها السياسية والايديولوجية، وأفكارها الرئيسية لإقامة الكيان الصهيوني في فلسطين. وحديث نتنياهو عن إعادة الاعتبار لتلك المقومات التوراتية والتلمودية التي اعتمدتها الحركة الصهيونية منذ البداية لتشكل رأياً عاماً بين اليهود مؤيداً لمشروعها في فلسطين المنسجم مع تطلعات الاستعمار للسيطرة على المنطقة العربية، والحفاظ على تجزئتها وتخلفها وتبعيتها بواسطة زرع جسم عميل للغرب وغريب عن المنطقة في قلبها (فلسطين).
إن الصهيونية كما يقول "إسرائيل شاحاك" في كتابه "التاريخ اليهودي ... الدين اليهودي"، "في ظاهرها علمانية، لكن لا بد لفهمها من جراسة الأحكام والفرائض التلمودية التي تنظم علاقة اليهود بغير اليهود، ولا يمكن فهم السياسة الإسرائيلية ولا سياسات يهود الشتات من دون معرفة هذه الفرائض والأحكام التي لها تأثير في كل ذلك".
ويضيف شاحاك:"إن فكرة إسرائيل دولة يهودية كانت ذات أهمية قصوى للسياسيين الإسرائيليين منذ بداية ظهور الدولة، وقد غرس هذا في أذهان السكان اليهود بكل الطرق الممكنة. وكان شرع قانون في العام 1985 ينص على أنه لا يجوز لأي حزب معارضة اسم الدولة اليهودية أو اقتراح تغييره بواسطة العملية الديمقراطية وحينئذ لا يحق له أن يشارك في انتخابات الكنيست". وقد صدر هذا القانون عندما ظهرت في أوائل الثمانينات أقلية يهودية تعارض مفهوم "الدولة اليهودية".
إن هذا المبدأ يعني طبقاً للتعريف الرسمي "للدولة اليهودية" أنها دولة فقط للأشخاص الذين هم يهود بغض النظر عن أماكن وجودهم، وهي لم وحدهم.
إن حرص الصهيونية على هذا المبدأ يعني:-
1- فتح الباب واسعاً أما استمرار عمليات تهويد فلسطين بواسطة مزيد من الهجرة اليهودية إليها، والاستيطان فيها.
2- اعتبار الفلسطيني المقيم على أرضه المغتصبة غريباً عنها، وفي ذلك أيضاً دعوة صريحة مستمرة لطرده وتهجيره منها، وفي أحسن الأحوال التعامل معه كغريب وعبد لليهودي صاحب الأرض والدولة والمالك الشرعي لها.
3- الحفاظ على الثالوث المقدس للتوراة الذي يجعل الدين اليهودي مزيجاً متكاملاً من "الأرض والشعب ويهوة"، فيصبح أي تنازل مهما كان بسيطاً عن مكونات هذا الثالوث تنازلاً وتفريطاً بالدين اليهودي وبالتوراة. فالتنازل عن أي جزء من الأرض هو في هذه الحالة تنازل عما يسمى "الشعب اليهودي" وعن دولته وعن دينه، وعن "قوميته" المدعاة أيضاًز
4- عسكرة المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين. فبناء الأداة العسكرية رافق الاستيطان الصهيوني في فلسطين منذ بدايته، وفي العقيدة الأمنية الصهيونية كان للأداة العسكرية دور مزدوج، وهو حماية الاستيطان اليهودي في فلسطين وتوسيع رقعته، ولعب دور مركزي فيما بعد خارج فلسطين في إطار ما سيوكل إليها من مهام في المشروع الإمبريالي – الصهيوني على صعيد المنطقة، ولقد كان لاحتلال الضفة الغربية وغزة وسيناء والجولان في العام 1967م أثر كبير في بعث جديد ونوعي لفكرة "الدولة اليهودية" أدى إلى تعميق هذا المفهوم الصهيوني المعتمد على القوة والاستيطان لدى الغالبية الكبرى من التجمع الصهيوني.
5- وكما ينقل الصحافي الصهيوني المعروف"أمنون كابيلوك" في كتابه: "رابين اغتيال سياسي: الدين، القومية، العنف في إسرائيل"، عن المؤرخ الصهيوني ب. ميخائيل، فإنه بدأت "غداة حرب 67 مرحلة لا عقلانية من تاريخ اليهودية، فها هي إسرائيل الكبرى تبرز للعين، الأراضي الجديدة، القبور، الخلاص، المسيح المنتظر، ووعد الله لأبينا إبراهيم، وواجب الإبادة والانتقام من أعدائنا. كل ذلك خرج فجأة من التوراة، ولم يعد عنصراً بسيطاً في صلاة متواضعة، بل أضحى أوامر يجب تنفيذها، وبدأت شبكة كبيرة من الحاخاميين والمتدينين والمدارس وحركات الشبيبة عملية غسل دماغ لجيل كامل، وغرس في الأذهان حقيقة أن المسيح المنتظر يقف وراء الباب، وأن الأشرار وحدهم يؤخرون مجيئه" . ويضيف أمنون كابيلوك:"أصبحت المستوطنات رمزاً لمرحلة الانتظار...إن إسرائيل الكبرى ليست إلا أحد أوجه أهداف التيار الديني، الحليف لليكود، والهدف الرئيسي بناء دولة ذات دستور إلهي لا مكان فيها لغير اليهود، وإذا وجدوا فسيكونون في الدرك الأسفل من التجمع".
دولة العدوان
إضافة إلى الدولة اليهودية استمدت الصهيونية من التوراة والتلمود النظرة التي تتبناها إلى غير اليهود، بكل ما فيها من كره واحتقار لهم، ومن دعوات لإبادتهم. وإحدى تعبيرات ذلك ما أورده شاحاك في كتابه المذكور آنفاً عن تعميم للجيش الصهيوني وزع على شكل كتيب، ومما جاء فيه "عندما يمر جيشنا بمدنيين أثناء الحرب أو يكون في معركة أو يقوم بغارة، فإنه يجب قتل المدنيين إذا لم نكن متأكدين من أنهم لا يؤذون قواتنا. وإنه تحت أي ظرف يجب أن لا يؤثق بالعربي حتى لو أبدى سلوكاً حضارياً، وأثناء الحرب عندما تهاجم قواتنا العدو فإنه مسموح لها طبقة للشريعة أن تقتل حتى المدنيين الأخيار، أي الذين يتظاهرون بأنهم أخيار".
ويعقب إسرائيل شاحاك على ذلك بقوله "إن الذي يعيش في إسرائيل اليوم يعرف كيف أن هذه الأفكار التي تنم عن الكره والوحشية منتشرة بين أغلب اليهود في إسرائيل. .... ومنذ مجيء بيغن إلى الحكم في العام 1977م لم يعد أغلب اليهود داخل إسرائيل وخارجها يتحرجون من إبدائها علنا، وحتى في التلفزيون الإسرائيلي".
أرادت الصهيونية من تكريس هذه القيم التوراتية والتلمودية المحتقرة للآخر (غير اليهودي) والداعية إلى إبادته تأسيس (مجتمع ودولة) يقومان على فكرة الحرب، ويتغذيان من العيش الدائم على أسنة الحراب وإلى الأبد، كما كان رئيس أركان الجيش السابق ووزير خارجية شمعون بيرز إيهود باراك يقول.
هذه الحقيقة يتوقف عندها أكبر فلاسفة "الكيان الصهيوني" يشعياهو ليبوفيتش الذي توفي في العام 1995م عن عمر يناهز ال 91 عاماً، فهو يؤكد أن ذوبان الديني في السياسي والسياسي في الديني في إسرائيل والصهيونية جعل إسرائيل دولة لا ترغب في السلم، إنها دولة تحولت إلى نظام عسكري يجند الشاب الإسرائيلي لزرع الرعب والإرهاب في القرى الفلسطينية.
ويضيف:"الهم الوحيد للنظام التربوي الإسرائيلي هو تحويل الطالب إلى جندي مثالي(.....) إن أحد مسببات الطامة الكبرى التي تعاني منها إسرائيل هو تذويب الديني في السياسي والعكس بالعكس. ويضرب ليبوفيتش أمثلة على هذا التدويب ب "قداسة الجيش التي رافقتها طقوس وصلوات الغاية منها إذكاء الحمية الوطنية، التي ليس من المستبعد أن تقود إلى إنشاء معسكرات لتصفية الخونة". ومن هذا كله استنتج ليبوفيتش "أن إسرائيل تتحول إلى دولة فاشية".
إن كل "هذا الإيحاء المرضي للذاكرة اليهودية" أرادت منه الصهيونية" جعل العربي الموضوع الذي يهدد صفاء ومستقبل المشروع الصهيوني" وتحويل ذلك إلى قاعدة وذريعة دائمة لإعلان الحرب عليه لمنعه من مقاومة هذا المشروع.
انقسام حول الوسائل وليس حول الأهداف الاستراتيجية
إن التوراة التي تشكل ركيزة للفكر الصهيوني غايتها "حرمان أي حاكم غير يهودي أن يحكم في أرض إسرائيل"، ما يقول إسرائيل شاحاك. وبالتالي فإنه "لا يمكن أن يكون للفلسطينيين سلطة ذات استقلال رمزي، ومن غير الممكن ما دامت إسرائيل دولة يهودية، أن تعطي استقلالاً شكلياً لغير اليهود ضمن أرض إسرائيل لأسباب سياسية لأنها دولة خصوصية". ولهذا فإن الكيان الصهيوني يواجه حسب شاحاك خياراً هو أن يصبح "غيتو حربياً أو سبارطة يهودية يساندها العمال العرب كعبيد".
ثم يقول:"إن اليهودية التاريخية وخلفياتها اليهودية الأرثوذوكسية والصهيونية عدوان قويان لمفهوم المجتمع المفتوح، وإن الدولة العبرية سواء كانت مؤسسة على الأيديولوجية اليهودية الحالية أم ستصبح أكثر يهودية في سلوكها مما هي عليه الآن لا يمكن أن تكون مجتمعاً مفتوحاً على الإطلاق".
إن منابع الفكر الصهيوني معبر عنها في كل القوانين الصهيونية البرامج التربوية والثقافية والإعلامية، وفي برامج الأحزاب الصهيونية وأفكارها وسياساتها. ويمكن القول ببساطة شديدة أن المنابع التوراتية التلمودية للصهيونية متحكمة بالكامل بالوعي الصهيوني الجماعي في كيان العدو، ووهي أقدر من غيرها على تقديم تفسير منطقي وصحيح للحركية السياسية الداخلية للصهيونية، ولنتائج الانتخابات الصهيونية الأخيرة، التي عبر فيها الرأي العام الصهيوني بأغلبية مهمة عن انحيازة للأيديولوجية الصهيونية.
ويجب ألا تنطلي علينا خديعة انقسام المجتمع الصهيوني عامودياً بين مؤيدين "للسلام" المزعوم ورافضين له، فهذا الانقسام ليس اصلاً أبداً على صعيد الولاء للفكر الصهيوني، و"للدولة اليهودية" بمفهومها التوراتي الصهيوني، وليس حاصلاً حول النظرة للعرب والفلسطينيين. إنه فقط انقسام حول التكتيك، ووسائل تحقيق البرنامج الصهيوني الاستراتيجي، كما جرت الإشارة سابقاً، وحول مراحل تحقيق هذا البرنامج الصهيوني الاستراتيجي، كما جرت الإشارة سابقاً، وحول مراحل تحقيق هذا البرنامج. وليس صدفة أن نرى حزب العمل يقود حملته الانتخابية ببرنامج الليكود، وإذا كان حزب العمل قد ألمح إلى استعداده لتقديم تنازلات إقليمية محدودة عن جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967م (وتحويلها إلى كانتونات معزولة مقطعة بالمستوطنات والطرق الالتفافية) فهو فعل ذلك أيضاً تحقيقاً للأيديولوجية الصهيونية التوراتية، التي تدعو إلى الحفاظ على "نقاء الدولة اليهودية"، وتخلصاً من "القنبلة الديمغرافية" الفلسطينية، وكي لا يصبح الكيان الصهيوني "دولة ثنائية القومية". لذا حرض حزب العمل على التخلص من أكبر قدر من السكان الفلسطينيين مع تنازل شكلي عن أقل قدر من الأرض الفلسطينية دون منح أي شكل من أشكال السيادة للحكم الذاتي الفلسطيني التابع للاحتلال في اتفاقات أوسلو وطابا.
أما الليكود فإنه يقلل من خطر "الديمغرافيا" الفلسطينية ويسخر مما يسمى "بمعركة الأرحام"،ويرى ببساطة أنه يمكن استعباد الفلسطينيين المقيمين على "أرض إسرائيل الكبرى" وتحويلها إلى "أقلية قومية تقيم في أرض الغير" لي لها في أحسن الأحوال أكثر من حق إدارة شؤونها المدنية المحلية بذاتها وتحت السيادة الصهيونية الكاملة، ودون تنازل عن شبر من الأرض الفلسطينية، بل على العكس من ذلك، فإن الإدارة الذاتية التي اقترحها مناحيم بيغن وثبتها في اتفاقيات "كامب ديفيد"، هي مقدمة لحسم مسألة السيادة في الضفة الغربية لصالح الكيان الصهيوني بعد الفترة الانتقالية. كما قال ذلك صراحة مناحيم بيغن في خطابه أمام الكنيست الصهيوني في 25 أيلول 1978م بعد عودته من واشنطن في أعقاب توقيع اتفاقيات كامب ديفيد. ويوضح الأمر إسحق شامير في مقالة كتبها في صحيفة يوديعوت أحرونوت 6/8/1995 بقوله:"كانت كلمات السيد بيغن واضحة للغاية، وكان قصده أنه بعد خمس سنوات من الحكم الذاتي، سنبحث في التسوية الدائمة ونطالب بسيادة إسرائيل على كامل أرض إسرائيل".
تجذير الأهداف الصهيونية
خلاصة ما سبق هو ان البعد الأيديولوجي الصهيوني(التوراتي-التلمودي) المتمكن من التجمع الاستيطاني الصهيوني يؤكد أن فوز نتنياهو تعبير عن أن أغلبية الرأي العام الصهيوني يرفض تقديم أي تنازلات على صعيد الانسحاب من الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة عام 1967م (الجولان والضفة الغربية)، ويصر على عدم السماح لغير اليهود بإقامة أي حكم غير يهودي في (أرض إسرائيل).
لقد قدم الليكود نفسه للناخب الصهيوني ببرنامج قائم على "تجذير الأهداف الصهيونية"، وعلى رد الاعتبار للأيديولوجيا الصهيونية، ووقف مسيرة الانحراف عن هذه الأيديولوجيا، أو هذا الأخير، وهي ذات الأوصاف التي أطلقها اليمين بكل اتجاهاته (العلمانية) والدينية على ما يسمى ب "اليسار الصهيوني" منذ توقيع اتفاق أوسلو. وقد لاقت هذه الأوصاف صدى لدى غالبية التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين، لأنها نبهته إلى ما اعتبر تنازلات خطيرة. لقد قال نتنياهو في الكنيست الصهيوني "رابين لا يجب بلاده ولا يعتبر إسرائيل وطناً له، إنه يبيع وطنه كسلعة".
ومن الشعارات التي ألصقت على الجدران في صيف العام 1995م، أي قبل مقتل رابين بأسابيع معدودة:"الشعب ضد الخيانة"، "حكومة رابين تضحي بحياة اليهود"، رابين يبيع وطننا".
وأمام منزل رابين تجمع عدد من الأشخاص هاتفين: "أقتلوا إسحق اللعين إبن روزا بأسرع وقت ممكن بسبب سوء نيبه تجاه شعب الله المختار". وشارك نتنياهو في مظاهرة آنذاك حمل فيها نعش أسود كتب عليه "رابين يدفن الصهيونية". وحتى بعد مقتل رابين لم يغير اليمين خطابه هذا. فها هو رفائيل إيتان رئيس حزب تسوميت شريك الليكود الرئيسي في الحكومة الصهيونية الحالية يعلق على مقتل رابين بتحميله (أي رابين) المسؤولية عنه بقوله: "إنه بموجب القانون الإسرائيلي فإن من يتخلى عن أراضي إسرائيل يواجه عقوبة الموت أو السجن المؤبد".
قد يقول قائل إن هذا كله تحريض انتخابي من اليمين الصهيوني، أو تعبير عن تيار صهيوني متطرف، وليس تعبيراً عن رأي غالبية الرأي العام الصهيوني ولكن الحقيقة التي جاءت بها نتائج الانتخابات الصهيونية، رغم الدعم الكبير الذي حظي به بيريز خصوصاً من الولايات المتحدة الأميركية أكدت عكس هذا الرأي وأثبتت حقيقة أن التجمع الاستيطاني الصهيوني يظل مندفعاً نحو مزيد من تبني وممارسة التطرف والإرهاب والعنف، وليس العكس، كما يخيل للمستسلمين والواهمين بسلام أميركا في وطننا العربي.
لقد تنبه شمعون بيريز نفسه لهذه الحقيقةن عندما تسلم الحكم بعد مقتل إسحق رابين، فأوقف إعادة الانتشار في الخليل المتفق عليها في طابا، مؤجلاً ذلك لما بعد الانتخابات، بسبب من الاعتبارات الاستيطانية والتوراتية في الفكر الصهيوني لهذه المدينة الفلسطينية. وتراجع عن استعداده السابق لتنازلات إقليمية في الجولان، وغير برنامجه التفاوضي بالكامل على صعيد مسار التفاوض السوري. وأوقف تنفيذ "خطة الفصل" مع الفلسطينيين التي أقرها إسحق رابين لأن ذلك أيضاً يوحي بفصل في "أرض إسرائيل"، وأعلن صراحة رغبته في المحافظة على المستوطنات في الضفة الغربية، لا بل توسيع رقعة الاستيطان، وكان حزب العمل قد واصل بعد أوسلو "تسمين" المستوطنات القائمة دون الإعلان عن ذلك، حيث زاد عدد سكان المستوطنات منذ توقيع اتفاق أوسلو بنسبة 5%، وارتقعت موازنة الإسكان المخصصة لهم بنسبة 10%، كما عادت سياسة القمع الصهيوني المباشر لتعلن عن نفسها في مناطق الحكم الذاتي، حيث عاد الجنود يدمرون المنازل ويوقفون المطلوبين. بل إن "يوسى بيلين" الذراع الأيمن لبيريز، والذي يوصف بأنه الأكثر حمائمية، قال صراحة:"في إطار الاتفاق النهائي مع الفلسطينيين ستبقى معظم المستوطنات في أماكنها وستضم إلى إسرائيل"، الأمر الذي جعل زعماء المستوطنات الذين التقاهم بيريز يتحدثون عن إحساس جديد لديهم "بأن كل شئ قد تغير، أحسست بأن الحكومة بدأت تصغي إلينا وبدأوا يفهمون آلامنا ولن يقدمونا كأضاحي" عل حد تعبير الحاخام ريسكين من مستوطنة أفرات.
إن نتنياهو عندما يقدم نفسه كحريص على تماسك التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين، إنما يفعل ذلك للتذكير بأهمية التعاليم التوراتية والتلمودية في مد الصهيونية مجدداً بالحياة، منسجماً بذلك مع نمط التفكير السائد في الكيان الصهيوني، الذي يبرز بشدة في بعض الأزمات والأحداث، بينما هو ينمو بهدوء تحت طبقات رقيقة وهشة من ادعاءات العقلانية والليبرالية والعلمانية والديمقراطية. وعلى عكس ما هو شائع لدى بعض النخب الثقافية العربية، فإن المختصين بدراسة الكيان الصهيوني يجدون أن التفكير الديني (التوراتي) يحتل حيزاً أكبر باضطراد في الذهن اليهودي ويساهم في التأثير على قطاعات أكبر في التجمع الاستيطاني الصهيوني. هكذا تتجه الثقافة التقليدية والتلمودية في الكيان الصهيوني نحو "أصولية" يهودية متعصبة.
كما أن الثقافة الصهيونية التقليدية التي ادعت "العلمانية" باتت تنحو هي الأخرى نحو مزيد تكييف نفسها مع التراث التوراتي اليهودي، وهذه الثقافة الصهيونية ليست قابلة كما تزعم بعض النخب الثقافية العربية، للتكيف مع ما يسمى بالتحولات الدولية التي تفترض أن تتخلى الصهيونية عن مفاهيمها القديمة المتمثلة في فكرة "أرض الميعاد" و"الاستيطان" و "التوسع الجغرافي بلا حدود" في إن فعلت ذلك انهارت كقومية مزعومة، لأن القومية "الدينية" اليهودية المزعومة تصبح بلا أسس أو مسوغات حتى على مستوى الادعاء وتزوير حقائق التاريخ.
من كتاب
"نتنياهو سلام القوة والإخضاع"
أبو خالد العملة
دار الكنوز الأدبية
الطبعة الأولى
1996م
تعليقات القراء...
التعليقات 1 - 2 من 2
1 - ارجو وضع كتاب نتنياهو سلام القوة والاخضاع على موقعكم الموقر لنتمكن من تحميله وقرائته ولكم الشكر
2009-03-24 10:00:15
2 - الكتاب الانف الذكر هو محاولة رائدةوقيمة في اظهار الصراع بمحتواه الايدلوجي .ومن اجل ان لاتعلوه غبار الجهل العربي يجب البحث عن وسائل متعددة لاشهاره .
هذا في مجال نظرة اليهود وتحليلها من الناحية الاستراتيجية .
امافما هو موقفنا نحن العرب من البعد العنصري للصهاينة وماهو الحل ...انه الاسلام والبندقية !!