نظرة سريعة إلى الأعمال الفنية العظيمة عبر التاريخ، تفيد بأن الطغيان البشري كان الدافع الرئيس لإنتاجها، والأمثلة كثيرة، بدءاً من الأهرامات الفرعونية، مروراً بملحمتي هوميروس، وسور الصين العظيم وتراجيديات شكسبير، وصولاً إلى «الحرب والسلم» لتولستوي وما أنتجته الحربان الكونيتان في النصف الأول من القرن العشرين.
هذا يعني أن ازدهار الفنون مرتبط بمعطيات الشر والطغيان، وربما يكون أيضاً مقروناً بالوظيفة الأساسية للفن، حيث تجد الفنون ذاتها ملزمة بإطلاق الأنين البشري، مذكّرة الناس بالوجه الآخر للحياة... الوجه الذي ينبغي له أن يكون.
هل يعني ذلك أن هذا التاريخ قد صار قانوناً لا يمكن المساس به؟ وهل يعني ذلك أيضاً أن على محبي الفن أن يستمطروا الشرور والطغيان لكي يشبعوا حاجاتهم الروحية والنفسية؟
ليست المقاربة ميكانيكية إلى هذا الحد... وكما قال أحدهم: إذا رأينا 99امرأة يدخلن تباعاً إلى مبنى الأمم المتحدة، فلا يعني هذا أن الداخل الرقم مئة سيكون امرأة بالضرورة!
صحيح أن الشر أنتج إبداعات عظيمة، إلا أن هذه الإبداعات لم تمجد الشر والطغيان، بمقدار ما جسدت شواهد خالدة تذكّر البشرية بالوجه المظلم للإنسان، وتدعوه في العمق إلى امتشاق الوجه المضيء، الذي يجسد الحب والقيم الإنسانية النبيلة. ولا نشكك في أن البشرية ستظل أمينة على هذه القيم، حتى لو تشابه الحاضر والماضي في لحظة تقاطع عابرة، كأن يسيطر الطغيان على الأرض كما يحدث اليوم، حيث تتشكل مؤسسة أو هيئة تسمي نفسها «فقراء بلا حدود»! ومن يدري؟ فقد نستيقظ على هيئات متعددة الأسماء، كعراة بلا حدود، وحفاة بلا حدود، وسجناء بلا حدود، وقيود بلا حدود، واستبداد بلا حدود!
كانت روح العصور السابقة وفكرتها، ملائمتين تماماً لجهة ارتباط ازدهار الفن بالشر والطغيان، ولكن فكرة العصر الراهن وروحه، تختلفان تماماً، وذلك بعد هذا التراكم في الوعي البشري، وبعد كل هذا الخراب الذي سببه الطغيان، وخلفته الشرور، الأمر الذي يعني أن هنالك متغيرات تاريخية قد حدثت، وأن علينا أن نعيها، وننفذ إلى جوهرها عند الحديث عن ازدهار الفنون.
فروح العصر الآن هي الديموقراطية، والحرية... وعندما نقول الديموقراطية، فإننا لا نعني توافر المؤسسات الديموقراطية، كمجالس النواب والشيوخ وما شابه من مسميات، بل نعني تعميم الروح الديموقراطية في المجتمع... أي إعلاء الثقافة الديموقراطية وقيمها لكي تصبح هي السائدة عوضاً عن ثقافة الاستبداد والقمع والاضطهاد، ولن يحدث ذلك إلا بتحرير المجتمع من أي قيود سلفية أو ماضوية ما زالت تستمد قوتها من جهات تقوم بتوظيفها لتكريس الراهن، ووضع العصي في دواليب العربة البشرية، للحفاظ على ما وفره الاستبداد من سلطة ونفوذ لبعض الجهات والفئات!
وإذا كانت الديموقراطية هي روح العصر، فإن الفرد ركيزته الأساسية، وهو ما يفسر اندثار زمن الملاحم ـ فنياً ـ على رغم سطوع الملاحم البشرية بين حين وآخر موضوعياً.
هكذا تراجع شعر القضايا الكبرى، وجاءت القصيدة الجديدة مثقلة بأوجاع الفرد وغربته وانعدام توازنه، وهكذا تراجعت الرواية المطولة إلى حد ما، لتحل محلها رواية البطل المفرد، والرؤية الأوسع أفقاً، نظراً الى تحررها من تأثيرات الرؤى الاجتماعية النمطية.
والتركيز على الفرد هنا، لا يعني بتر العلاقة بينه ومحيطه، بكل مكونات هذا المحيط وشروطه الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية، بل هو مجرد إتاحة المجال بحرية وأمان، لكي يتمكن الإنسان من التعبير عن أحلامه وهواجسه وأفكاره، مهما بدت موغلة في غرابتها، ومهما بدت صغيرة أو ساذجة.
وبمعنى آخر، فإن ثمة خصوصية في العملية الإبداعية، وما علينا سوى احترام هذه الخصوصية، ولن يكون هنالك احترام أكثر عمقاً من التفاعل مع هذا الإبداع بخصوصية مماثلة، ومن دون إملاءات اجتماعية أو سياسية أو عقائدية!
كان الطغيان سبباً في ازدهار الفنون، فلنمنح الحرية والديموقراطية الفرصة، ولنراهن على ازدهار أكبر، طالما كانت المقومات متوافرة، والدلائل مبشرة بقوة... ألم تكن الفنون المرتبطة بالطغيان تعبيراً حقيقياً عن التوق البشري الى الحرية؟
1 - مقال رائع. متى يستعيد الإنسان إنسانيته؟ وهذا مبتدأ أي نهضة. متى تكون الفواصل بين الفن والسياسة والحياة ضيقة حد التلاشي؟؟
الفن هو روح الإنسان بما هو إنسان. متى نتعاطى مع السياسة بذات الفهم، ومتى نتعاطى مع الحياة بذات الفهم؟؟ دون السماح لأي مساحة من اللعبة السياسية لتنتهك الروح وتكون دونها الروح.
تحياتي للكاتب